ملا محمد مهدي النراقي
189
جامع السعادات
أن يستر كل عيب يسمعه من مسلم ، فيدخل هذا وأمثاله في جملة شكر نعمة هذه الأعضاء بل قيل : من كفر نعمة العين ولم يستعملها فيما خلقت لأجله كفر نعمة الشمس أيضا ، إذ الأبصار إنما يتم بها ، وإنما خلقتها ليبصر بهما ما ينفعه في دينه ودنياه ، ويقي بهما ما يضره فيهما . بل المراد من خلق السماء والأرض وخلق الدنيا وأسبابها أن يستعين بها على الوصول إلى الله ولا وصول إليه إلا بمحبته والأنس به في الدنيا ، والتجافي عن الدنيا وغرورها ولذاتها وعلائقها ، ولا أنس إلا بدوام الذكر ولا محبة إلا بالمعرفة الحاصلة بدوام الفكر ، ولا يمكن الذكر والفكر إلا ببقاء البدن ، ولا يبقى البدن إلا بالأرض والماء والهواء والنار ، ولا يتم ذلك إلا بخلق الأرض والسماء وخلق سائر الأشياء وكل ، ذلك لأجل البدن . والبدن مطية النفس . والنفس الراجعة إلى الله هي المطمئنة بطول العبادة والمعرفة . فكل من استعمل شيئا بغير طاعة الله فقد كفر نعمة الله في جميع الأسباب التي لا بد منها لإقدامه على تلك المعصية . وإذا عرفت حقيقة الشكر ، تعرف بالمقايسة حقيقة الكفران ، فإنه عبارة عن الجهل بكون النعم من الله ، أو عدم الفرح بالمنعم والنعمة من حيث إيصالها إلى القرب منه ، أو ترك استعمال النعمة فيما يحبه المنعم ، أو استعمالها في ما يكرهه . ثم ، بما ذكرناه ، وإن ظهر أن حقيقة الشكر ملتئمة من الأمور الثلاثة ، إلا أنه قد يطلق الشكر على كل واحد أيضا ، كما قال الصادق ( ع ) : ( شكر كل نعمة ، وإن عظمت ، أن تحمد الله ) ، وقال ( ع ) : ( شكر النعم اجتناب المحارم ، وتمام الشكر قول الرجل : الحمد لله رب العالمين ) . وسئل عنه ( ع ) : ( هل للشكر حد إذا فعله العبد كان شاكرا ؟ قال : نعم ! قيل : ما هو ؟ قال : يحمد الله على كل نعمة عليه في أهل ومال ، وإن كان فيما أنعم عليه في ماله حق أداه . ومنه قوله - جل وعز - : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ( 42 ) . ومنه قوله تعالى ( رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين ) ( 43 ) . وقوله : ( رب أدخلني
--> ( 42 ) الزخرف ، الآية : 13 ( 43 ) المؤمنون ، الآية : 29 .